الشيخ محمد النهاوندي
392
نفحات الرحمن في تفسير القرآن
والوالد والولد ، وامتناعهما بينه تعالى وبين ما سواه وَما كانَ مَعَهُ مِنْ إِلهٍ لأنّه إِذاً لَذَهَبَ كُلُّ إِلهٍ وانفرد كلّ خالق بِما خَلَقَ واستبدّ به وامتاز ملك كلّ عن ملك الآخر ، كما هو دأب الملوك وَلَعَلا وغلب بَعْضُهُمْ في الملك عَلى بَعْضٍ آخر كما هو العادة الجارية بين الملوك ، فلم يكن بيد أحد منهم ملكوت كلّ شيء ، فوحدة الملك واتّساق النّظام أقوى دليل على وحدة الإله . ثمّ نزّه ذاته المقدّسة عن الندّ والولد بقوله : سُبْحانَ اللَّهِ وتنزّه عَمَّا يَصِفُونَ ربّهم من كونه ذا ولد وشريك . ثمّ استدلّ سبحانه على توحيده بسعة علمه بقوله : عالِمِ الْغَيْبِ وَالشَّهادَةِ والسرّ والعلانية التي تكون لجميع الموجودات بالإحاطة والقيمومية ، ولو لم يكن جميعها مخلوقاته لم يكن له العلم بجميعها وليس لغيره ذلك ، فكيف يمكن أن يكون له شريك مساو له في الألوهية فَتَعالى شأنه ، وتقدّس عَمَّا يُشْرِكُونَ به ممّا لا علم له بشيء . قيل : في ذكر الوصفين إشعار بوعيد المشركين « 1 » . [ سورة المؤمنون ( 23 ) : الآيات 93 إلى 94 ] قُلْ رَبِّ إِمَّا تُرِيَنِّي ما يُوعَدُونَ ( 93 ) رَبِّ فَلا تَجْعَلْنِي فِي الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ ( 94 ) ثمّ بالغ سبحانه في تهديدهم بأمر نبيّه صلّى اللّه عليه وآله بالاستعاذة ممّا وعدهم من العذاب بقوله : قُلْ يا محمّد ، متضرّعا إلي : يا رَبِّ إِمَّا تُرِيَنِّي ما يُوعَدُونَ قيل : يعني يا ربّ إن كان ولا بدّ أن تريني ما وعدت المشركين من العذاب المستأصل في الدنيا « 2 » رَبِّ فَلا تَجْعَلْنِي ولا تبقني فِي الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ وأخرجني من بينهم لئلّا يصيبني ما يصيبهم من العذاب . وفيه بيان لغاية فضاعة ما وعدوه ، بحيث يجب أن يستعيذ منه من لا يكاد أن يحيق به ، وردّ لإنكارهم إيّاه واستعجالهم له بطريق الاستهزاء . قيل : هضما لنفسه ، أو إنّما أمر صلّى اللّه عليه وآله بهذا القول ؛ لأنّ شؤم الكفرة قد يحيق بمن وراءهم ، كما قال تعالى : وَاتَّقُوا فِتْنَةً لا تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْكُمْ خَاصَّةً « 3 » . روي أنه لمّا أخبر اللّه تعالى نبيّه صلّى اللّه عليه وآله بأن له في أمّته نقمة ولم يطلعه على وقتها ، أمره بهذا الدعاء « 4 » . في ( المجمع ) عن النبي صلّى اللّه عليه وآله ، أنه قال في حجّة الوداع وهو بمنى : « لا ترجعوا بعدي كفارا يضرب
--> ( 1 ) . تفسير الرازي 23 : 117 . ( 2 ) . تفسير الرازي 23 : 117 ، تفسير روح البيان 6 : 103 . ( 3 ) . تفسير أبي السعود 6 : 149 ، والآية من سورة الأنفال : 8 / 25 . ( 4 ) . تفسير أبي السعود 6 : 149 .